الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

573

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولأجل هذا اتّفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر ، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في السفر ، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير المسلمين في الوصية في السفر ، وقضى به أبو موسى الأشعري مدّة قضائه في الكوفة ، وهو قول أحمد وسفيان الثوري وجماعة من العلماء ، وقال الجمهور : لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أنّ ما في آية الوصية منسوخ ، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي ، واختلفوا في شهادة بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو حنيفة ناظرا في ذلك إلى انتفاء تهمة تساهلهم بحقوق المسلمين ، وخالفه الجمهور ، والوجه أنّه يتعذّر لقاضي المسلمين معرفة أمانة بعضهم مع بعض وصدق أخبارهم كما قدمناه آنفا . وظاهر الآية قبول شهادة العبد العدل وهو قول شريح وعثمان البتّي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وعن مجاهد : المراد الأحرار ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ، والذي يظهر لي أنّ تخصيص العبيد من عموم الآية بالعرف وبالقياس ، أما العرف فلأنّ غالب استعمال لفظ الرجل والرجال ألّا يرد مطلقا إلّا مرادا به الأحرار ، يقولون : رجال القبيلة ورجال الحي ، قال محكان التميمي : يا ربّة البيت قومي غير صاغرة * ضمي إليك رجال الحيّ والغربا وأما القياس فلعدم الاعتداد بهم في المجتمع لأنّ حالة الرقّ تقطعهم عن غير شؤون مالكيهم فلا يضبطون أحوال المعاملات غالبا ؛ ولأنّهم ينشئون على عدم العناية بالمروءة ، فترك اعتبار شهادة العبد معلول للمظنّة وفي النفس عدم انثلاج لهذا التعليل . واشترط العدد في الشاهد ولم يكتف بشهادة عدل واحد لأنّ الشهادة لما تعلّقت بحق معيّن لمعيّن اتّهم الشاهد باحتمال أن يتوسّل إليه الظالم الطالب لحق مزعوم فيحمله على تحريف الشهادة ، فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة فاشترط فيه الإسلام وكفى به وازعا ، والعدالة لأنّها تزع من حيث الدين والمروءة ، وزيد انضمام ثان إليه لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور . فثبت بهذه الآية أنّ التعدّد شرط في الشهادة من حيث هي ، بخلاف الرواية لانتفاء التهمة فيها إذ لا تتعلق بحقّ معيّن ، ولهذا لو روى راو حديثا هو حجة في قضية للراوي فيها حق لما قبلت روايته ، وقد كلف عمر أبا موسى الأشعريّ أن يأتي بشاهد معه على أنّ رسول اللّه قال : « إذا استأذن أحدكم ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع » إذ كان ذلك في ادّعاء أبي موسى أنّه لما لم يأذن له عمر في الثالثة رجع ، فشهد له أبو سعيد